هاكلمكم النهاردة عن المركزية الإفريقية، بس مش هنتقد المركزية الإفريقية اوي، هانتقد المصريين أكتر!

تعالوا نشوف المركزية الإفريقية دي بتقول إيه. باختصار، بتقول إن كل الحضارات في العالم منشأها في إفريقيا السوداء، وإن أم الحضارات، الحضارة المصرية، هي بالضرورة حضارة سوداء. وبيستدلوا في هذا الادعاء على ما جاء في التوراة عن مصر وعن أبناء النبي نوح.

هم بيشتغلوا إزاي؟ بيشتغلوا على أكتر من جبهة.

الجبهة الأولى هي جبهة التعليم والوعي. بيخلقوا مجموعات منهم عندهم اقتناع بالفكرة الفاسدة دي، إن الحضارة المصرية هي حضارتهم، وإنهم اطردوا من مصر في زمن ما وتفرقوا في العالم، رغم إنهم نفسهم جايين من أماكن جغرافيا بعيدة ومتباعدة عن بعضها البعض، بعضهم ممكن يكون أصله من جزر الكرايب أو من أماكن أخرى بعيدة عن القارة الإفريقية. وبعضهم حتى ما يعرفش هو منين أصلاً.

الجبهة التانية اللي بيشتغلوا عليها هي جبهة الرموز البصرية. إيه هي بقى الرموز البصرية دي؟ ده معناه إنهم بيظهروا على نفسهم وعلى هدومهم الرموز المشهورة للحضارة المصرية، زي رمز العنخ، زي صور النتر بتاعتنا، زي حتى الأسامي. يعني لما بيجوا يعملوا لنفسهم حسابات أون لاين على أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي، بيحطوا صورة تعبر عن مصر بشكل أو بآخر، وبيختاروا اسم بيعبر عن مصر.

الجبهة التالتة اللي بتشتغل وبتخدم على الجبهتين الأولى والتانية هي جبهة الأكاديميا. ودي بقى عاملة كده زي المستنقع، لما تدخل فيه لازم تبقى مسلح بقدر كبير جداً من الأسلحة التاريخية والأثرية والأنثروبولوجية، ومتنساش كمان الملابس الواقية. بس نخلي الغوص في المستنقع ده لوقت تاني.

أنا وعدتكم في البداية إني هانتقد المصريين، مش كده؟ طيب، المركزية الإفريقية لمّت مجموعة الناس سود البشرة اللي تشردوا من مواطنهم الأصلية من مئات السنين، واللي ما فيش بينهم هوية متجانسة تربط بينهم إلا لون البشرة، ومنحتهم هذه المنحة. منحتهم إيه؟ منحتهم حضارة أهلها مش معترفين بها وبيتَنَصلوا منها وبيِرفضوها، وكمان بيلعنوها. وعندهم مثل بيقول: اللي تحسبه موسى يطلع فرعون، يعني اللي تحسبه غريب يطلع مصري. ده معناه إن أهل الحضارة دي ما عندهمش أي مانع إن أي حد ييجي ياخذ حضارتهم.

عدم الممانعة ده يبان بوضوح في بدايات تأسيس علم المصريات. كان كل اللي يلاقي حاجة ياخذها، وكل حاكم لمصر يحب يجامل الناس اللي حواليه يروح مديهم حتة آثار، لحد ما بقت آثارنا في كل مكان في العالم، وبيعملوا عليها أحلى شغل. لدرجة إن أكبر عروض في المتاحف بتجيب زوار هي عروض الآثار المصرية، وأنا شاهدة على ده شخصيًا.

كمان المصريين لما فقدوا الذاكرة زمان، أول حاجة عملوها في مشوار فقدان الذاكرة اللي دخلوا فيه هو إنهم أخذوا كل أعمال أجدادهم وابتدوا يدمروا فيها، يسرقوا منها شوية، يحرقوا البردي شوية، ويشوهوا المكتوب على المعابد شوية. ووصل بيهم الأمر في فترة من فتراتهم إنهم كانوا بيضطهدوا أي حد لسه متمسك بالعادات والتقاليد والأفكار المصرية التقليدية، وكانوا بيرموا في النيل أي أثر يلاقوه للأفكار دي، لحد ما طبعًا الناس كرهت الأفكار دي وبمرور الوقت نسوها ونسوا أجدادهم لدرجة إنهم كانوا بيبصوا على الآثار العظيمة اللي حواليهم ويستغربوها، يعتبروها لغز لأنها أصبحت بلغة هم مش فاهمينها.

هل المصريين توقفوا عن ده حاليًا؟ في الوقت الحالي، في العصر الحديث، على اعتبار إن بقى في تقدم وازدهار، وفي علم ومناهج دراسية بتعلمهم قيمة تاريخ أجدادهم، وعلم الآثار المصري وعلم المصريات بقى له علماء مصريين يُشار إليهم بالبنان؟ الحقيقة لا، المصريين لم يتوقفوا أبدًا عن الأفكار السلبية اللي بيحملوها لآثارهم ولتراث أجدادهم القديم. طبعًا مش كل المصريين، لكن أغلب المصريين عاجزين عن إنهم يوفروا بيئة يقدروا من خلالها يستوعبوا العلم العظيم اللي وصل إليه أجدادهم، ويصل ما انقطع بينهم وبين أجدادهم.

الكارثة التانية اللي قدر الأفروسنتركس إنهم يدخلوا منها ويروجوا لادعاءاتهم الفاسدة، هي المصريين اللي بيركبهم ميت عفريت لو قلت لهم إنكم مصريين. في نوع من المصريين لو قلت له أنت مصري، يتشال ويتهبد ويصرخ ويشد في شعره ويعيط ويدب في الأرض. ولو قلت له بجد والله أنت مصري، حتى باسبورك مكتوب فيه إن أنت مصري، ورسمياً أمام العالم أنت أصلك مصري، حتى لو ما كانتش عندك الجنسية المصرية، يتصرف كأن في عقرب لدغه، ويزعق ويشد في شعره ويعيط زي الأطفال حتى لو كان بلغ من العمر أرذله.

إيه مشكلة الناس دي في إنهم يقولوا إنهم مصريين؟ طب ما كل حد جاي من أي بلد بيقول البلد اللي جاي منها، عادي يعني. أي حد في العالم تقابله يقول لك أنا أصلي من المكان الفلاني، أو أنا بحمل الجنسية الفلانية من غير لا كاني ولا ماني ولا دكان الزلباني. إيه بقى العجب في المصريين اللي مش عايزين يقولوا إنهم مصريين؟

العجب هنا ينقسم إلى ثلاث أقسام:
1. المصري اللي مش عايز يقول إنه مصري شايف إن النعت ده لا يكفي، وإن كلمة مصري بتحتاج إنك تعززها بكلمة تانية، زي إنك مثلاً تقول إنك عربي أو إنك مسلم أو حتى مسيحي.
2. القسم التاني هو قسم المصريين اللي منخرطين مع جنسيات أخرى تتحدث العربية، يعني بيشتغلوا معاهم وبيتعاملوا معاهم وبيحبوهم. فبيخاف لو هو عبر عن هويته أو قال إنه مصري إن ده يأثر على علاقته بيهم، أو إنهم ينظروا له نظرتهم لراجل أجنبي أو سيدة أجنبية. وده طبعاً وهم، لأن علاقتنا بأصحابنا والمقربين مننا من المتحدثين بالعربية من أي دولة، العراق، سوريا، المغرب، السعودية، من أي مكان، علاقتنا دي محكومة بالظروف اللي بتنشأ فيها، ومحكومة أيضاً بشخصيات الناس اللي بنتعامل معاها. كمان الناس دي هم أول من يدرك إنك مصري. وبالعكس، لما بتتصرف باعتزاز تجاه هويتك وتجاه أصلك، بيزداد احترامهم ليك، لأنك أنت كمان بتحترمهم وبتحترم أصولهم وبتحترم التنوع في الثقافة العربية.
3. القسم التالت بيخاف على دينه، كأن هويته المصرية تتعارض مع معتقده. وده بقى بصراحة القسم اللي هو أغرب من الخيال، لأنه غالباً الشخصية دي بتكون عايشة في الماضي، الماضي طبعاً حسب تصورها مش الماضي حسب التاريخ. وبالتالي بيخاف جداً إنك لو أخذته من آلة الزمن اللي هو عايش فيها، إنه يفقد هذا الوهم لأنه بيربط المعتقد بالماضي وما بيحاولش حتى يطور معتقده ويخليه يناسب حاضره. وبالتالي أي حاجة ممكن تهزه، وهو نفسه أصلاً مش عارف هو مين.

الغريب بقى في كل ما سبق هو إن بالنسبة للآخر، أي آخر، المصري مصري. ما بيحطوش عليه شرطة، وما بيرشوش عليه لا سكر ولا ملح، ولا بيحاولوا إنهم يزودوا له أي حواشي أو تفسيرات أو تبريرات. من الناحية العملية، لما بتيجي تتعامل مع الآخر، بتتعامل معاه من خلال هويتك الأصلية. وكمان لما بتيجي تعمل أي معاملات رسمية برضو هويتك بتدخل فيها. وما فيش جواز سفر مكتوب عليه مصري عربي مسلم، ولا مصري عربي مسيحي، ولا أي حاجة من الحاجات دي.

هل الثقافة العربية واللغة العربية تتعارض مع الهوية المصرية؟ لا، لا تتعارض. ولكن هناك أشياء كثيرة بتم من خلال الهوية العربية واللغة العربية بتعادي الهويات القومية، منها مثلاً تحقير اللغات اللي بيتحدثها المصريين، واعتبارها حاجة أدنى لا يجب التعبير بها. أو إنها تقف في طريق إن الشخص يستوعب إن اللغة بتشكل جزء من الهوية مش الهوية كلها.

نربط بقى الكلام ده يا حلوين بالمركزية الإفريقية. لما أنت تكون مصري ومتنصل من أصلك المصري، وبتحاول تستعير هويات من الشرق والغرب، وتحاول كمان تخترع هويات ليس لها وجود، وتحاول إنك تلبسها وتقيفها على مقاسك، وترمي هويتك المصرية على جنب، طبيعي إن ألف من يطمع فيها. وتأكد يا مصري إن الطامعين مش على باب بيتك، لا، دول جوه بيتك. ولو ما فقتش، هتلاقيهم استولوا على بيتك ورموك براه.

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.

Facebook Comments