منذ عدة أسابيع، وبالتحديد في ٢٢ مايو ٢٠٢٤، تلقينا خبر غرق ١٦ طفلة في مياه نهر النيل. هذا الحادث لم يحرك المستنقع الراكد في مجتمعنا، ذلك المستنقع الذي تسقط فيه النساء صريعة لأسباب مختلفة. على حد القول الشائع، تعددت الأسباب والموت واحد.

 

لم تتحرك الضمائر لتغيير الواقع السيء وتجنب وقوع نفس الحادث مرة أخرى. بينما الشعوب الأخرى، التي لا تنطق لغتنا ولا تعيش في منطقتنا، عندما تتعرض لمأساة مروعة كتلك التي راح ضحيتها ١٦ فتاة، يتحرك الأفراد والكيانات المعنية بالموضوع ذي الصلة بالحادث كي يقوموا بإنشاء معايير جديدة أو الحث على استصدار قوانين تمنع حدوث تلك الظاهرة مرة أخرى.

 

في حادثنا المروع، خرجت تلك الفتيات، في إحدى القرى المصرية بمحافظة الجيزة، للعمل في جني العنب لدى شركة لتصدير الفواكه. ركبن ميكروباص سعته ١٤ نفر، لكن حمولته كانت ٢٤. وإذ بمجموعة من السفهاء يقطعون عليهن الطريق، ويحاولون التحرش بهن، ولمس أجسادهن عنوة. فما كان من السائق إلا أن خرج كي يتفاوض مع المعتدين أن يكفوا شرهم عن الفتيات، ونسي أن يرفع فرامل اليد، فانزلق الميكروباص إلى النيل ولقت ١٦ فتاة منهن حتفها.

 

المأساة تنقل إلينا واقعًا قاسيًا مريعًا يجب أن يجعلنا لا ننام الليل، لكننا ننام ملء أعيننا. ضميرنا ميت، قلوبنا قاسية، لا نشعر بمعاناة غيرنا ممن يعيشون معنا في نفس الوطن.

 أنا موقنة من أن هؤلاء الفتيات عشن حياة كلها مرارة وشقاء، وتعرضن للتحرش مرات ومرات. أنا موقنة أيضًا أن كل الأنساق العرفية والاجتماعية السائدة في بلدتهن معادية لهن.

 

تكلم البعض عن عمالة الأطفال، لكن في ظل الجهل والفقر والعوز وإنجاب الاطفال بلا خطة لا بد أن تجد نفسك في مواقف عبثية مثل هذا الموقف. طفلات يعملن كعمال تراحيل. يحصدن زرعًا لن ينلن منه شيئًا. فاكرين فيلم (الحرام)؟ والوعد الذي أطلقه بألا تمتهن كرامة البشر في أعمال أقرب إلى السخرة بعد اليوم؟ يبدو أننا ما زلنا في انتظار تنفيذ هذا الوعد.

 

سيُسجل هذا الحادث كواقعة موت خطأ، لكنه ليس كذلك، بل هو موت منهجي شاركت منظومة اجتماعية واقتصادية فاسدة في إنتاجه. ودعونا نبدأ بمجموعة القتلة التي تجمعت كالذباب حول الحلوى المغطاة كي تفترسها. لا تنسوا أن النساء ينقسمن إلى فصيلين: حلوى مكشوفة، وهذه معرضة لكل أشكال الاعتداء، ولا يؤثم فيها المعتدون، وحلوى مغطاة، من المفترض أن القاصي والداني يحافظ عليها، ويحرص على أن تظل داخل غطائها، لأن تغطيتها تعني أنها ملك لذكر آخر، ولا يجب أبدًا في قانون الأخوية الإجرامية أن يعتدي ذكر على ملك ذكر آخر. الغريب في الأمر أن الحلوى المغطاة هنا تعرضت للاعتداء مما أدى إلى مصرعها. إن تحرش هؤلاء الرجال بتلك الطفلات أمر معتاد ومتكرر، ويحدث مرات ومرات في المكان الواحد في اليوم الواحد، ولا يثير حفيظة أحد ولا غضب أحد. الكل يمضي بجواره وكأن شيئًا لا يحدث.

 

وإذا اعتبرنا أننا في العصر الحديث وأن لدينا قوانين محلية وأخرى دولية تحكمنا، فلماذا غابت تلك القوانين في هذا المشهد؟ الإجابة على ذلك عسيرة ومؤلمة جدًا في نفس الوقت. وهي تتلخص في أن حياتنا وعلاقتنا ببعضنا البعض لا يحكمها قانون ولا قواعد ولا حتى ما يعرف بالكومنسانس. نجد السائق في تلك الحادثة لم يهتم بمعايير الأمان، وحمّل سيارته بعدد من الراكبين يفوق سعتها. هناك أسباب علمية وعملية وفنية وراء تحديد أقصى حمولة لأي مركبة. هذه الأسباب العملية والفنية غابت تمامًا عن العقلية العشوائية التي يعمل من خلالها السائق وكل من على شاكلته. فالعلم ليس مجرد كلمات تُرص، وانما هو منهج وطريقة تفكير أيضًا. السائق لم يهتم كذلك بأن يرفع فرامل اليد قبل أن يخرج من السيارة رغم كونها من أهم قواعد الأمان التي يتعلمها أي قائد سيارة. ولم يكن السائق هو الوحيد المستهين بقواعد السلامة. فقد سبقه إلى نيل اللقب المسؤول عن تشغيل المعدية الذي لم يغلق بابها الحديدي، لأن لا شيء له قيمة، لا الأرواح ولا الممتلكات!

 

علاوة على أن لا أحد قص علينا حكاية تلك الفتيات. لم يحدثنا أحد عن أحلامهن وآمالهن في الحياة. لم نعرف أسماءهن. لم نعرف كم ساعة قضينها في عمرهن القصير وهن يلعبن أو يمارسن رياضة أو هواية ما. لم يعلن عمدة القرية عن تخليد ذكراهن بأي لفتة مما يحدث عادةً حين يفقد عدد من الأبرياء حياتهم في حادث مروع.

 

لا يسعني، في النهاية، سوى أن أترحم على هذه الأرواح البريئة. وأتمنى أن يعاقب كل المتورطين في هذه القضية، وعلى رأسهم أولئك المتحرشين. فالمتحرش في مصر لا يعمل من فراغ، بل يعمل ضمن شبكة معقدة ومترابطة تضمن له ارتكاب جريمته في منتهى الأريحية والسلاسة، ودون خوف من أي عقاب.

 

أخيرًا آمل أن يفيق المجتمع المصري من تلك الغفلة الأخلاقية التي يعيش فيها، وذلك الوهم المعشش في أدمغة أفراده بأنهم الأرقى والأفضل، وأن أخلاقهم رفيعة، وضمائرهم يقظة، وأنهم يخافون الله ويحفظون حدوده، وما إلى ذلك من الترهات التي يملؤون بها رؤوسهم قبل رؤوس الآخرين.

Facebook Comments