منذ شهور قليلة قامت موظفة بأحد أحياء القاهرة بالاعتداء على بائع تين شوكي في إطار تطبيق القانون المحلي. وقد قام المحافظ بإلغاء انتدابها بعدما وصلت القصة إلى الفيسبوك.

الصورة منقولة من موقع جريدة “صوت الأمة”

هذه القصة تبين بوضوح العلاقة الملتبسة بين السلطة والمواطن في بلدنا. وهي علاقة لا ترقى إلى مفهومها في الدولة الحديثة من أن السلطة تمثل جموع الشعب وتطبق القواعد والقوانين التي اختاروها من خلال ممثليهم التشريعيين محليا وقوميا، وأن الشعب مسؤول كمواطن عن اتباعها في كل الأوقات، حتى أن الجهل بها ليس ذريعة قانونية.

في حالتنا هذه الأمر يتعلق باشغالات الطريق وهو مرض عضال ومزمن في شارعنا المصري. والكل متآمر على الاطاحة به عرض الحائط حتى أصبح الشارع مقسما إلى ممالك صغيرة متناحرة ما بين زعماء الشارع من بلطجية ومنادين وعصابات تسول وأعمال صغيرة، وما بين أصحاب المحال والبيوت الذين يضعون يدهم على الملكية العامة دون تردد ولا يأبهون بقانون ولا حق الناس في رصيف مشاة.

وهنا تكمن المفارقة فالدولة بممثليها قد أغضت الطرف عامدة أحيانا ومتواطئة أحيانا أخرى وعاجزة في أحيان ثالثة. مما خلق حالة من ال status quo أو الأمر الواقع الذي لا مهرب منه. وأي محاولة لإصلاحه تبوء بالفشل في خلال ساعات لأن نفوذ الشارع يكاد يضاهي قوة ونفوذ الدولة.

نعود إلى موظفة الحي صاحبة دور الفيلين في القصة.

 فالموظفة وهي تنفذ القانون قد خالفته في نفس الوقت. فقد اعتدت على مواطن دون وجه حق بل وألقت ببضاعته على الأرض وهو اعتداء على الممتلكات الخاصة. فعلى فرض أن بائع التين كان متواجدا في مكان لا يحق له فلم يكن من حق الموظفة ارتكاب جريمة اعتداء متلحفة بحجة تنفيذ وإنفاذ القانون.

لقد شاهدت الفيديو ولم أستطع استيعاب قدر العنف الذي مارسته الموظفة والذي لم يكن مبررا حيث بدا أن البائع لم يكن يتحدى سلطتها أو يستفزها، وحتى لو حدث فالقانون هو الفيصل بينهما وليس رمي نعمة ربنا على الأرض.

لكن تصرف الموظفة لم يستغلق عليّ فهمه فهو دور خولي الانفار أو المحتسب أو شرطي الكروفاس الذي عشنا تحت نيره طوال فترة الاحتلال العثماني لمصر وحتى بعد حكمها الذاتي النسبي أثناء فترة حكم أسرة محمد علي. إنه دور يمارسه من يملك سلطة على الشعب خاصة من صغار موظفي الدولة الذين خلقوا دكتاتورية الميري. وكأنهم يتلبسون روح المستعمر ويلعبون دوره الغائب بعد رحيله حتى نظل نعامل بعضنا البعض كأسياد وعبيد.

النقطة الثالثة هي عدم الثقة بين المصري والسلطة. وهو أمر مفهوم تماما بعد قرون من الاحتلال المتعاقب على أرضنا الطيبة.

العلاقة الملتبسة لها جذور ضاربة في عمق تاريخ الشعب المصري. على سبيل المثال لو عدنا قرنا وبضعة سنين إلى الوراء سنجد نفس المشهد. المواطن المصري الذي كان يسمى فلاحا أو أفنديا، لو كان من المتعلمين أو الموظفين، في مواجهة شرطة الخديوي التي كانت تسمى كروفاس والمسلحة بالسياط. مع الأسف كان ضرب المصريين بالسوط في الشارع من يوميات الشعب وقتها.

صحيح نحن مستقلون اليوم ونحكم أنفسنا بأنفسنا لكننا نرتدي زي المستعمر الذي يتعالى علينا ويفرقنا إلى فلاحين وأفندية وبكوات وبشوات. الذي يحتقر بشرتنا السمراء ولغوتنا العامية. ويحسب ارتقاءنا بقدر انتمائنا إلى أصول تركية أو شركسية. وربما لا أجد غضاضة في تلاقح الجينات والثقافات بين الشعب المصري وباقي الشعوب. لكن اعتراضي هو على التفرقة على أساس لون البشرة أو الانتماء العرقي لغير المصريين.

العلاقة بين المصريين وحكامهم تتصف بانعدام الثقة بين الطرفين. هارييت مارتينو مؤسسة السوسيولوجي الحديث ذكرت ذلك في أحد مجلداتها التي أرخت فيها لرحلتها إلى مصر. أبحرت مارتينو في النيل وزارت البلاد من شمالها إلى جنوبها ودونت ملحوظاتها حول عادات المصريين وطبائعهم في منتصف القرن التاسع عشر. وقد قالت من بين ما قالت إن المصريين لا يثقون في حكامهم حتى وإن كانوا يسعون إلى ما فيه صالح الناس.

وأظن أن ذلك مرده إلى الهوة الثقافية والعرقية وأحيانا اللغوية التي كانت تفصل المصريين عن حكامهم. عدم الثقة ذلك يُترجم إلى تطنيش القانون الذي يأتي به الحاكم، وخلق قواعد بديلة خاصة بالناس يمكنهم العمل من خلالها لأنهم يعرفون أفضل بل هم أدرى بمصلحتهم من الحكومة. وهذا ربما ما فعله بياع التين الشوكي وما يفعله كثيرون ممن يشغلون الطريق مخالفة للقانون.

في رأيي أن الطريق ما زال طويلا أمامنا لرأب الصدع. وهو أمر سيجعل دولتنا قوية وليس العكس. ليس علينا أن نستعير قوانين من دول أخرى لكن يمكننا الاستفادة من تجارب الآخرين وتجنب أخطائهم ليس فقط الغرب وانما الشرق أيضا.

Facebook Comments