My article on Naima El Bezaz

عندما سمعت بخبر وفاة الكاتبة المغربية الهولندية نعيمة البزاز شعرت بحزن عميق لخسارة حياة مبدعة وتعاطفت مع أحبائها وقرائها.

ما خطر في بالي بعد قراءة هذا الخبر هو الحيرة التي يختبرها أبناء المهاجرين من الجنوب إلى الشمال ما بين عالمين لا يربط بينهما، في الغالب، سوى صراعات تاريخية واستغلال استعماري ما زال يلقي بظلاله على علاقاتهما الحاضرة. بطبيعة الحال كل مهاجر له تجربته الخاصة. لكن التعميم قد يفيد في رسم الصورة الكلية. لذلك سأطرح تجربة نعيمة البزاز كمثال فقط.

لقد اطلعت على بعض اللقاءات معها وبعض التقارير المنشورة عنها. من الصعب الحصول على معلومات عنها خارج ما كتبته الصحافة العربية بعد وفاتها، حيث أن معظم النتائج جاءت بالهولندية التي لا أتحدثها. فلا أستطيع الزعم أنني محيطة بكتاباتها ومشروعها الأدبي لكنني اطلعت على ما يكفي لتكوين رأي وإن كان عابرا.

ربما لا يخص ما سأقوله البزاز وحدها، بل هي نظرة عامة على حال كثير من أبناء الجيل الأول من المهاجرين إلى أوروبا من دولنا العربية أو الناطقة بها كيفما تشاء. هناك نوعان من الهجرة إلى الشمال. هناك الهجرة إلى القارة العجوز، وهي ليست أرضا مستقبلة للهجرات إلا في ظرف معين مثلما فتحت ألمانيا أبوابها للهجرة من تركيا لاحتياجها في فترة معينة من سبعينيات القرن العشرين إلى عمالة رخيصة. فيما عدا ذلك فإن أوروبا تستقبل الهجرة بناء على قرارات سياسية تتخذها وزاراتها المعنية أو استجابة لقانون اللجوء السياسي والانساني علاوة على نوع من الهجرة الاقتصادية خاصة بالاستثمار بشكل أساسي.

أما البلاد المستقبلة للهجرات فلها تركيبة سكانية مختلفة ومعظمها يعتمد النظام الفدرالي مثل أمريكا وكندا واستراليا وحتى موريشيوس التي فتح الإنجليز أبوابها للهجرة إبان احتلالهم لها وصارت اليوم تحمل هوية مختلطة عن طريق هجرة أجناس مختلفة هي أيضا تشبه تلك الدول.

هولندا إذن جزء من العالم القديم الذي يتمتع بما يمكن أن نطلق عليه وحدة سكانية، مما يعني أن أغلب سكانها لديهم تاريخ مشترك وخلطة عرقية متشابهة، مع ملاحظة أنه لا يوجد عرق نقي في العالم، وعادات متشابهة وهوية قومية متجانسة. صحيح أن أوروبا تستقبل الهجرات الجنوبية منذ منتصف القرن العشرين تقريبا، إلا أن هذه الهجرات تزداد مع سوء الأحوال في الدول الفقيرة والحروب الأهلية الطاحنة بها، مما يجعلنا نرى المجتمع الهولندي وقد ظهرت فيه جاليات كبيرة من أصول أخرى غير غربية. هنا يجب أن نبرز أن أوروبا بشكل عام لديها ثقافة مهيمنة على جانبها الغربي تتشابه في كافة خطوطها العريضة، علاوة على الأصل العرقي الواحد للقبائل التي استوطنت تلك القارة في التاريخ السحيق. حسب إحصائيات 2004 عشرة في المائة من سكان هولندا ينتمون إلى أصول غير غربية، وعلى رأسهم العمال المهاجرين من الأتراك والمغاربة ممن لم يعودوا إلى بلادهم الأصلية وبقوا في هولندا. وقد تعدت نسبة الهولنديين من أصول مغربية في 2019 الـ 2 في المائة.

إذن تنتمي نعيمة البزاز إلى الجالية المغربية ويمكننا بسهولة تعداد الاختلافات العميقة بين الثقافة المغربية والهولندية. هذه الاختلافات لا تعني بالضرورة أن إحداهما تفضل الأخرى. وكلما كانت الاختلافات عميقة كلما ازداد الضغط على المهاجر في موضوع الاندماج. لا يعاني الجيل الأول عادة من نفس أزمة الجيل الثاني، فالمكون الرئيسي لهوية أفراده قد تشكل في بلدهم الأول، مما يمكنهم من تقبل التغيير والانتماء الجديد بشكل أقل صعوبة من أبنائهم خاصة ممن ولدوا على الأرض الجديدة.

الجيل الثاني يجد نفسه محصورا بين عالمين. ثقافة أصلية بعيدة عنه جغرافياً لكنها جزء من يومياته. كأنها رداء يغطي روحه وعقله رغما عنه، موجود في جيناته، في اللغة المحكية بمنزله، في وجوه المقربين منه. وثقافة ثانية، وقد تصبح ثانوية، تختلف وربما تتعارض مع ثقافة بلده الذي قضى فيه سنوات تكوينه (طفولته). وتطرح أمامه أسئلة وجودية كثيرة ومعضلات اجتماعية. فيجد نفسه مُنتمٍ إلى الثقافة الجديدة ومستوعباً لها بل ربما يكون ملكياً أكثر من الملك ويعتبرها وطنه الوحيد بينه وبين نفسه لكن علاقاته وصلات دمه تربطه دائما بالوطن الأول الذي ربما لم تطأه قدماه من قبل. 

يعيش حنيناً غامضاً يدفعه إلى التعبير عن نفسه بشكل مختلف عن أقرانه. حتى مجتمعه الجديد يفرض عليه هذا « اللابل » أو “التمييز” أنه مهاجر صاحب بشرة غامقة، بل يتوقع منه أفراد هذا المجتمع أن ينعزل داخل جاليته أو، على الأقل، ينخرط بها، مؤدياً، في نفس الوقت، واجباته كمواطن.

يحاول ابن المهاجر إيجاد توازن ما بين حماية هويته الأصلية من الضياع والتمسك بمفردات هوية الأرض المستقبلة له بما يكفي لتسيير أموره الحياتية وعلاقاته الاجتماعية.

السؤال الذي يطرح نفسه هو هل ينجح أبناء المهاجرين في تحقيق هذه المعادلة التي تزداد صعوبة بقدر تنافر الثقافتين وتعارضهما؟

بالنظر إلى حالة نعيمة البزاز، نجدها حالة مميزة لكنها ليست فريدة. كثير من كتاب المهجر مهمومون بأوطانهم الاولى. لقد تحدثت نعيمة عن وطنها الأم كهولندية من أصول مغربية وليس كمغربية. ولم يغفر لها البعض ذلك. لم يتفهموا أنها ليست مغربية فقط بل هولندية-مغربية. مما يعني أنها تمتلك هوية مختلفة عن كل طرف على حدة.

وبمرور سريع على موضوعات كتبها، نجد أنها كانت مهمومة برصد ثقافتها الأم من وجهة نظر امرأة أوروبية. لم تخرج نعيمة البزاز من ردائها المغربي وهي تخط قصصها بالهولندية. تلك القصص التي جلبت عليها كثيرا من الكراهية من جانب المغاربة في هولندا الذين رأؤوا في كتاباتها تحقيرا لهويتهم.

مرت نعيمة البزاز بالمراحل التقليدية التي يمر بها كثير من كتاب المهجر، بداية من العودة إلى الجذور ورصد تجربة الهجرة وصولا إلى أزمة الاندماج في المجتمع الجديد. ففي قصتها الأولى « الطريق شمالا » 1995، التي منحتها شهرة أدبية في بداية مشوارها، والتي تحكي عن هجرة عامل مغربي إلى هولندا، استوحت الكاتبة مشوار هجرة أسرتها. ثم توالت الأعمال التي تعالج مشاكل الجيل الثاني من المهاجرين، أي جيلها هي، وهي محاولة للتعبير والشفاء كذلك. حيث أنها تحدثت عن المعاناة مع الاكتئاب وعن وضع المرأة المحصورة بين مجتمع محافظ ومجتمع متحرر كما في روايتها « المنبوذة » في عام 2006. في نفس الوقت، انتقدت الكاتبة كذلك مجتمعها الهولندي في كتابها « نساء فينكس » 2010، وكشفت عن صعوبة الاندماج به بسبب عدم استعداد هذا المجتمع لتقبل الآخر.

لقد كان لنعيمة البزاز وجهان، واحد مغربي والآخر هولندي. وعبرت عن ذلك بقلمها. ربما لم تحتمل وطأة الحصار والانسحاق بين عالمين كلاهما يلفظها بطريقة أو بأخرى. فاختارت الرحيل عنهما.

لا يبقى لنا سوى أن نتمنى لروحها السلام.

Facebook Comments